أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى

130

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري

الباب الخامس ولما كان السفر لا بد فيه من دليل وإلا ضل عن سواء السبيل افتتح الباب الخامس بذكر الصحبة وشروط المصحوب وآدابها فقال : 43 - لا تصحب من لا ينهضك حاله ، ولا يدلّك على اللّه مقاله . قلت : الذي ينهضك حاله هو الذي إذا رأيته ذكرت اللّه ، فقد كنت في حال الغفلة فلما رأيته نهض حالك إلى اليقظة ، أو كنت في حالة الرغبة فلما رأيته نهض حالك إلى الزهد ، أو كنت في حالة الاشتغال بالمعصية فلما رأيته نهض حالك إلى التوبة ، أو كنت في حالة الجهل بمولاك فنهضت إلى معرفة من تولاك وهكذا ، والذي يدلك على اللّه مقاله هو الذي يتكلم باللّه ، ويدل على اللّه ويغيب عما سواه ، إذا تكلم أخذ بمجامع القلوب ، وإذا سكت أنهضك حاله إلى علّام الغيوب ، فحاله يصدق مقاله ومقاله موافق لعلمه ، فصحبة مثل هذا إكسير يقلب الأعيان ، وهو مفهوم من قول الشيخ : لا تصحب من لا ينهضك حاله إلخ . أي بل اصحب من ينهضك حاله ، ويدلك على اللّه مقاله والصحبة في طريق التصوف أمر كبير في السير إلى اللّه تعالى حسبما جرت به عادة اللّه تعالى وحكمته حتى قال بعضهم : من لا شيخ له فالشيطان شيخه . وقال آخر : الإنسان كالشجرة النابتة في الخلاء ، فإن لم تقطع وتلقم كانت دكارة . وقال الشيخ أبو العباس المرسي رضي اللّه تعالى عنه : كل من لا شيخ له في هذا الشأن لا يفرح به ، ومن شروط الشيخ أربعة : علم صحيح ، وذوق صريح ، وهمة عالية ، وحالة مرضية . فالعلم الصحيح هو ما يتقن به فرضه ، ولا بد أن يكون عالما بالمقامات والمنازل التي يقطعها المريد وبغرور النفس ومكائدها ، قد سلك ذلك على يد شيخ كامل ، وذاق ذلك ذوقا لا تقليدا ، وهو المراد بالذوق الصريح ، والهمة العالية هي المتعلقة باللّه دون ما سواه ، والحالة المرضية هي الاستقامة بقدر